ابن قتيبة الدينوري

مقدمة التحقيق 109

المعارف

وكان كتابا المحبر والمعارف عندي هما أغنى هذه الكتب بالمواد . وكان أوّلهما حديث عهد بالطبع ، وكان ثانيهما قد مضى على إخراجه ما يربى على قرن . وكان أن توفّرت لدى منه نسخ خطية أخرى فاتت الزميل الكريم الراحل « وستنفلد » الَّذي عنّي نفسه بإخراجه . وكانت هذه النسخ تستدرك كثيرا ، وتشير إلى خلاف كثير . من أجل هذا كله خصصت هذا الكتاب - أعنى كتاب « المعارف » - بجهدي ، وفرغت أجمع له أصوله الخطية ما وسعني الجهد ، لأخرجه في صورة جلية واضحة . ( 2 ) وفي ظل ذلك الإحساس العام الَّذي أشرت إليه اتجه « ابن قتيبة » لتأليف هذا الكتاب يريد أن يجمع للناس تلك المعارف المختلفة التي يعنيهم أن يعرفوها ، ويعنيهم أن يجدوها مجموعة في كتاب واحد . وما نأخذ على « ابن قتيبة » أنه جمع شيئا وأهمل شيئا ، بل علينا أن نناقشه ناظرين إلى حاجة العصر الَّذي كان يعيش فيه . فحاجة العصر الَّذي كان يعيش فيه « ابن قتيبة » كانت تملى عليه أن يكون بين الناس مثل هذا الكتاب الجامع ، الَّذي يمكَّن الكاتب من أن تتوفر له حصيلة علمية تاريخية أدبية ، مجموعة مبوّبة . وإن الشعور الَّذي أملى على « ابن قتيبة » أن يؤلف كتابه « أدب الكاتب » ليبصّر الكاتب بما هو في حاجة إليه وما يجب عليه ، هو الشعور الَّذي أملى على « ابن قتيبة » أن يؤلف كتابه « المعارف » ليجمع بين يدي الكاتب ما يحتاجه من معرفة ، بعد ما جمع له ما يحتاج إليه من تقويم اللسان ، وبعد أن بصّره بشؤون الكتابة .